28 سبتمبر اليوم العالمي للحق في المعرفة

الحق في المعرفة هو حق إنساني أصيل لا يتحقق بشكله الكامل إلا إذا استطعنا الوصول إلى تحرير المعرفة مما فُرض و يُفرض عليها من قيود. و الحق في المعرفة هو حق واسع يشمل ثلاثة مساحات متسعة هي؛ الحق في المعرفة العلمية (المعرفة المفتوحة)، والحق في المعرفة التاريخية (فتح الأرشيفات؛ مراجعة التاريخ)، والحق في معرفة الواقع المعاش (الحق في الوصول إلى المعلومات و تداولها). ويصادف اليوم، الثامن والعشرون من شهر سبتمبر، اليوم العالمي للحق في المعرفة، و اخترنا فيه تناول إحدى المساهمات العربية التي تثري هذا الحق بزيادة ونشر المعرفة العلمية المفتوحة، وهو موقع كتب عربية حُرّة.

بدأ موقع كتب عربية حُرّة العمل رسمياً ليلة الجمعة 30 أغسطس/آب 2013، أي أنه أكمل عامه الأول منذ حوالي الشهر، وخلال هذا العام حقق فريق العمل العديد من الإنجازات؛ بلغ إجمالي عدد الكتب على الموقع 34 كتاباً، وسجل ما يقرب من 100 ألف زائر فريد وأكثر من 210 ألف مشاهدة، وأكثر من 120 ألف تحميل للكتب من خلال الموقع. كما فاز الموقع بالمركز الأول في مسابقة شعراوي عبد الباقي لمواقع الوِب العربية بعد منافسة محتدمة مع كل من موقعي صدى التقنية و نتنولوجي. وفي لقاءنا التالي مع "أحمد أبوزيد" صاحب فكرة الموقع؛ تتضح لنا بعض التفاصيل الهامة عن هذه المبادرة.


1- متى ولماذا بدأت التفكير في إنشاء موقع كتب عربية حُرّة؟

كانت فكرة الموقع تلوّح لي كلما صادفت أحد الكتب الحرة ضائعاً بين طيات الإنترنت أو أكوام الملفات على حاسوبي، خصوصاً الكتب المميزة منها. فكل كتاب يعيش فترة انتشار على الإنترنت ثم يبدأ بالاختفاء، تتراوح هذه الفترة بين أيام و بضعة أشهر، لكن في النهاية و مهما كانت روعة الكتاب يختفي، و قد لا تراه مجدداً لبضع سنين!

ومع قلّة الكتب العربية الحرة في الأساس، وظهور المزيد منها مؤخراً، كان لابد من وجود موقع يوفر مكاناً مركزياً للوصول لهذه الكتب و تصنيفها و كتابة مراجعات عنها، بل و أيضاً التعريف بماهية الكتب الحرة و التشجيع على إنتاج المزيد منها كماً وكيفاً. فعلى الرغم من انتشار فكر البرمجيات الحرّة والمصادر المفتوحة بشكل جيد في الفترة الأخيرة، لا يزال هناك الكثير من الغموض لدى الكثيرين حول فكرة الثقافة الحرة أو الكتب الحرة، وكثيراً ما يسألون عن معناها و ماهيتها و إن كانت كتباً أو نصوصاً دون حقوق ملكية مثلاً. وهكذا ولد مشروع "كتب عربية حُرّة" ليسد هذه الفجوة في مجال الثقافة الحرة عربياً، و للتعريف بمبادرات مثل إتاحة المعرفة Access to Knowledge و الوصول المفتوح Open Access.

وأخيراً في 19 يونيو/حزيران 2013 تواصلت مع بعض الأصدقاء على أحد الشبكات الاجتماعية للنقاش حول الاسم الأمثل للموقع و اسم النطاق و غيرها من التفاصيل، و بعد الاستقرار على LibreBooks.Org بدأت العمل على الموقع و التجهيز له، لنطلقه رسمياً في 25 أغسطس/آب 2013.


2- هل بدأت وحدك، وإن كانت الإجابة نعم، كيف كان العمل على هذا الموقع وكم عدد الساعات التي كنت تقضيها للعمل على هذا المشروع؟

في الواقع، بدأت في موقع كتب عربية حرة في اللحظة التي أدركت فيها أن "من يحاول القيام بكل شيء بنفسه؛ يفشل!" لهذا من بداية انطلاق الموقع كان هناك فريق عمل كل فرد فيه لديه مهام يعتني بها، بما يتضمن تصميم الموقع و تجميع الكتب و مراجعات الكتب وغيرها من المهام.

أما عن الجهد المبذول و عدد الساعات المخصصة للعمل فهو غير محسوب حيث أن العمل على الموقع كان يحدث من وقت لآخر ومن قبل جميع أفراد فريق العمل.


3- ما هو حجم النشر بعد مرور عام كامل الآن على إنشاء موقع كتب عربية حُرّة؟

يحتضن الموقع حتى كتابة هذه الكلمات ٣٤ كتاباً تعود إلى ٣١ مؤلفاً. وهناك أيضاً عدد من الكتب التي لم تُنشر بعد على الموقع في قائمة الكتب العربية الحرة التي جهزناها أثناء إطلاق الموقع، حيث قمنا وقتها بالبحث في غياهب الوِب العربي لجمع كل الكتب العربية المرخصة برخص قانونية حرة، وستنشر هذه الكتب تباعاً.


4- بعد هذه الفترة من بداية انطلاق الموقع للجمهور، هل تشعر بأن هناك عناصر ما ناقصة وتهتم أن يشملها الموقع في الفترة المقبلة؟

نأمل في الفترة القادمة مساعدة عدد أكبر من الأشخاص في إنتاج المزيد من الكتب الحرة، لهذا أكثر ما يحتاجه الموقع حالياً هو انضمام أحد المتخصصين في المراجعة اللغوية وكذلك مصمم رسوميات ذو ذوق رائق. فعلياً الفريق الحالي يقوم بهذه المهام على قدر الاستطاعة لكن أعتقد أن الناتج سيكون أفضل إذا كان من يعمل عليها شخص متخصص.


5- ما المواقف التي تعتقد أنك تعلمت منها الكثير منذ أن خضت هذه التجربة؟

قد يكون أكثر ما تعلمته مع بداية تجربة موقع كتب عربية حُرّة هو أنه عندما تفكر في مشروع ما، عليك أن تجمع المعلومات و تحلل المعطيات و تضع الخطة و تبدأ سريعاً و لا تنتظر كثيراً ما تعتقده "الوقت المناسب"، لأن "الوقت المناسب" لا يأتي أبداً!

فهناك لدى كل شخص منا دائماً الكثير من الالتزامات و المشاغل، و كل مرة يريد عمل شيء مهم يظل ينتظر الوقت المناسب للقيام بذلك، لكن من الواضح و التجربة العملية أن الوقت المناسب قد لا يأتي أبداً و يجب أن تبدأ حتى مع وجود معوقات أو ظروف قد تبطء من تقدمك بطريقة أو أخرى.


 

6- وماذا بعد الحصول على جائزة شعراوي عبد الباقي لمواقع الوِب العربية؟

سيذهب فريق العمل إلى هاواي للاستجمام! حسناً، أمزح :-)

في الواقع حصول موقع كتب عربية حُرّة على مثل هذه الجائزة قبل إكماله عامه الأول أعطانا دفعة قوية لمواصلة مساعدة المزيد من الأشخاص الراغبين في إنتاج المزيد من الكتب العربية الحرة، و كذلك مواصلة تطوير الموقع، و الأهم محاولة الوصول لشرائح أكبر قد لم تسمع من قبل عن الكتب و المعرفة الحرة. ومن ناحية أخرى نأمل أن يساهم ذلك في زيادة مساهمات المتخصصين كالمراجعة اللغوية أو التصميم الفني لإنتاج المزيد من الكتب العربية الحرة بجودة عالية.

 

7- في الوقت الحالي، تنتمي غالبية الكتب الموجودة على الموقع لنطاق التقنية والتكنولوجيا، هل تتوقع أن يشمل الموقع كتباً أخرى في مجالات ليس لها علاقة بالتقنية، وخصوصا أن الاسم "كتب عربية حُرّة" يوحي بباقة أوسع من الكتب؟ وإن كان في خطة فريق العمل ضم مجموعة من الكتب الحُرّة في مجالات أخرى، فما المجال الذي تتوقعه؟

فعلياً، الموقع يقبل كل الكتب في المجالات المتنوعة (عدا الروايات) ولكن حتى اللحظة أغلب الكتب العربية الحرة هي كتب تقنية أو تتحدث عن التقنية، وسبب هذا بشكل رئيسي أن أغلب الأشخاص عرفوا الثقافة الحرة من خلال البرمجيات الحرة وكذلك المصادر المفتوحة، لكن مع الوقت نأمل أن نرى مزيداً من الكتب الحرة غير التقنية وخصوصاً في المواضيع التي تعاني من ندرة في المحتوى العربي بشكل عام أو كتباً تمس مواضيعاً حيوية مثل البيئة والطاقة البديلة وغيرهما.


8- يظهر من الاسم أن الكتب باللغة العربية وكذلك كُتابها، هل تأمل أن تترجم بعض الكتب الحُرّة من لغتها الأصلية للعربية؟

الكتب على موقع عربية حُرّة هي ما بين كتب مُؤلفة ومُترجمة، ونشير في صفحة كل كتاب إلى المُؤلف أو المُترجم، لذا بالفعل هناك قدر ممتاز من كتبنا عبارة عن كتب مترجمة من لغات أخرى، وسبب ذلك أن هذه الكتب (المكتوبة باللغات الأخرى) متاحة ككتب حرة وبالتالي يمكن ترجمتها للعربية دون أي عقبات.


9- ما مفهومك الخاص عن الكتب والثقافة الحُرّة؟ وإن كنت مؤمناً بالرُخص الحُرّة التي تصدر بها تلك الكتب، أوضح لنا أسبابك؟

الكتب الحرة و الثقافة الحرة هي التي تتيح إمكانية قراءتها و مشاركتها دون قيود أو بأقل قدر منها. ما لا يدركه الكثيرين أن الأصل في المعرفة هي الحرية، وقوانين حقوق التأليف و النشر ما هي إلا استثناء على ذلك و قد نشأت لغرض معين، فإذا انتفى هذا الغرض تنتفي الحاجة إليها، لهذا بدأ الكثير من المؤلفين سواءً من المؤسسات أو الأفراد بالاتجاه إلى نشر المؤلفات و الكتب برخص قانونية تتيح قدراً أكبر من الحرية و ذلك لتلافي العيوب الناتجة عن قوانين حقوق النشر و التأليف.

الثقافة الحرة تضمن ألا تتحول المعرفة إلى مجرد سلعة إن لم تدفع لن تحصل عليها، الأمر الذي يدفع الدول الفقيرة لأن تزداد جهلاً والدول الغنية لأن تزداد تطوراً لقدرتهم على الدفع، لذا كان من الواجب وجود حد أدنى من المعرفة متاحاً لكل الناس بغض النظر عن أصولهم و مستوياتهم المادية، و يظهر هذا جلياً في انتشار ما يعرف بـ MOOC (و هي اختصار لـ Massive Open Online Course) و هي عبارة عن دورات تعليمية مجانية أونلاين من أكبر الجامعات العالمية. وإذا كان لهذا التوجه سبب فبالتأكيد الإيمان بأن المعرفة دائماً قادرة على جعل العالم مكاناً أفضل.


10- ما العقبات التي واجهتك و كيف تعاملت معها، بدءاً من التفكير بالموقع حتى الآن؟

في الواقع عند النظر للعقبات، نجد أنها كلها عقبات تقليدية، مثل تكوين الفريق، الوقت، التركيز على إخراج الموقع بأفضل صورة، الاستمرار بتحديث محتوى الموقع بنفس الجودة التي بدأ بها. أما المصاعب الأكبر فقد تخطيناها بمساعدة المجتمع المعني بالبرمجيات الحرة و الثقافة الحرة، حيث أنه مجتمع متعاون حقاً، الجميع سعداء بالمساعدة لأن الكل يستفيد في النهاية.

لكن إذا سألتني حول أكبر عقبة سيواجهها الموقع على الإطلاق، سأقول أنها إنتاج المزيد من المحتوى الحر العربي ذو الجودة العالية، حيث أننا في العالم العربي مستهلكون و بشكل كبير، والإنتاج المعرفي لدينا لا يتناسب نهائياً مع عدد متحدثي اللغة العربية أو حتى القدرات الموجودة، حيث يوجد -للأسف الشديد- الكثير من القدرات و المواهب غير المستغلة.


11- هل تعتقد أن طلبة الجامعة يستفيدون من تلك الكتب، هل أنت متأكد أنهم من جمهور موقع كتب عربية حُرّة، و إن كانوا لا، كيف تصل لهم و تقنعهم بأهمية المعرفة الحٌرّة؟

بالتأكيد، ويظهر هذا جلياً في أن أكبر قدر من الزيارات ومشاركة الكتب على الموقع تدور حول كتب البرمجة، وأغلب من يبحث عنها هم في الفئات العمرية الصغيرة. في الواقع إن الطلبة سواء طلبة الجامعات أو المدارس هم أكثر المستفيدين من وجود كتب حرة باللغة العربية، فمن ناحية وجود مثل هذه الكتب من غير تكلفة أو بتكلفة قليلة يوفر الكثير من النفقات عليهم، وفي نفس الوقت يوفر لهم أرضية معرفية قوية بلغتهم الأم للانطلاق والتعمق أكثر في المجالات المتنوعة.

و من ناحية أخرى، المعرفة الحرة بشكل عام (بجميع اللغات) أصبحت من العوامل الرئيسية التي تساعد في إنتاج المزيد من المعرفة و تنشيط البحث العلمي، حيث حين يتخرج هؤلاء الطلبة و يبدأون في التحضير للحصول على درجات علمية أكبر مثل الماجستير، يصطدمون بوجود الكتير من القيود و التكاليف التي تعيقهم عن الاستمرار في البحث العلمي أهمها الميزانية الكبيرة التي تتطلبها نشاطات البحث العلمي خصوصاً على الأفراد، لذا ظهرت مبادرات من وحي حركة المعرفة الحرة مثل الوصول المفتوح Open Access و التي تساعد في زيادة البحث العلمي في كل الدول بغض النظر عن مستواها الاقتصادي.